فوزي آل سيف

48

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

إننا نعتقد أن جعل النبي صلى الله عليه وآله شهادة خزيمة بن ثابت شهادتين لم يكن الغرض الأقصى منها تملك فرس من الأعرابي مهما كانت قيمة ذلك الفرس! وإنما هي تنسجم تماماً مع الفكرة عما كان يذكره النبي صلى الله عليه وآله لبعض أصحابه من فضائل ومناقب، وهي أن هذه المناقب والفضائل يقصد منها الدلالة على الخط الصحيح والمسار السليم في المستقبل. فمع كثرة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وتعدد اتجاهاتهم إلى حد التضاد والتضارب بل التقاتل فيما بعد لا بد أن ينصب النبي صلى الله عليه وآله علامات ارشادية توضح الطريق لمن يريد معرفة الحق و(لئلا يقول أحد لولا أرسلت إلينا رسولا هاديا فنتبع آياتك من قبل أن نذلَّ ونخزى)[137]فكان أن ترك فيهم من الأحاديث و(الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ)[138] لمن أراد التعدي، والهداية لمن أراد التمسك، وأوضح ذلك حديث الغدير والولاية، وحديث الثقلين[139]العاصم عن الغواية. فإذا تحدث النبي عن عمار وعن نهاية حياته شهيدًا وقال (آخر شرابك ضياح من لبن وتقتلك الفئة الباغية) فلا يراد من ذلك بيان فوائد اللبن أو أنه آخر ما يشربه عمار، وإنما بيان الفئة الباغية التي تقاتل الفئة الهادية، فاعلموا أيها الناس أن من يقاتل علياً هو باغٍ! ومن يكون معه هو مهتدٍ. فشهادة عمار ستكون فيصلاً بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وهذه الشهادة حاسمة لا مجال فيها للتأويل! وإذا قال النبي صلى الله عليه وآله عن أبي ذر أنه: (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر)[140] فذلك لا يراد منه أحاديثه العادية في البيع والشراء وإنما حين يعرض عليهم كلام الخليفة مقابل كلام أبي ذر، وخط الخلافة في مقابل خط الإمامة، وغير علي عليه السلام في مقابله فيشهد أبو ذر في كل ذلك لصف أمير المؤمنين علي موالياً ومدافعاً وناطقاً! وهكذا كانت شهادة خزيمة.. لا من أجل فرس ودراهم فقط! ولهذا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله أنه بعد ما شهد خزيمة قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله: «مَن شَهِدَ لَهُ أو عَلَيهِ خُزَيمَةُ فَحَسبُهُ».[141] كان خزيمة بن ثابت من السابقين إلى ولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام ومن جملة المعترضين على الخلافة في عهدها الأول، وتكلم بالإضافة إلى أحد عشر شخصًا من أجلة أصحاب رسول الله، في وجه الخليفة كما نقلته مصادر الامامية،[142]وأشرنا إليه في بعض المواضع، مرويًّا عن الإمام محمد بن علي الباقر، فإنه قام بين الناس وخاطبهم قائلاً: أيها الناس ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قَبِل شهادتي ولم يُرِد معي غيري؟ فاشهدوا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (أهل بيتي يفرقون بين الحق والباطل وهم الائمة الذين يقتدى بهم).[143]فإذا ضممنا هذا الكلام والشهادة إلى ما نقلوه عن النبي من قوله «مَن شَهِدَ لَهُ أو عَلَيهِ خُزَيمَةُ فَحَسبُهُ "[144] وأن النبي جعل شهادته شهادتين.. فماذا يصنع خط مدرسة الخلفاء؟ ولكن جرت الأمور بما لا تهوى أنفس المخلصين فراحت أنفسهم تذوب حسرات بين حرمان الأمة ممن قالت عنه الزهراء "وتالله لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله لاعتلقه، ولسار إليهم سيراً سجحاً، لا يُكلَم خشاشه، ولا يُتعتَع راكبه،

--> 137 ) الحسني؛ السيد ابن طاووس: إقبال الأعمال١/ ٥٠٥ 138 ) سورة القمر ، الآية 4 139 ) كلا الحديثين رواهما ذو الشهادتين وشهد عليهما. 140 ) ابن سعد: الطبقات الكبرى ط العلمية ٤/١٧٢ وأمالي الشيخ الطوسي ص ٨٣ 141 ) معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢/‏٩١٣ — أبو نعيم الأصبهاني 142 ) سيأتي أن من جملة ما صنعه خط مدرسة الخلفاء في تعويم وصف ذي الشهادتين هو أنهم أغفلوا ذكر موقفه تماما من الخليفة الأول واعتراضه عليه، وذلك لأنهم لو أثبتوه مع ما جاء في حق خزيمة سيقعون في حرج كبير! 143 ) الأمين، السيد محسن: أعيان الشيعة ٦/ ٣١٨ 144 ) مسند ابن أبي شيبة ١/‏٣٧